الشيخ هادي كاشف الغطاء

34

مستدرك نهج البلاغة

فانطقت لسانه بالعربية التي فضلتها على سائر اللغات ، ولم تزل تنقله من أب إلى أب ، تأخذ له بمجامع الكرامة ، ومواطن السلامة ، فسبحانك أيّ صلب أسكنته فيه فلم ترفع ذكره ، وأي ساحة من الأرض سلكت به لم يظهر بها قدسه ، حتى الكعبة التي جعلت منها مخرجه حرّمت وحشها وشجرها ، وقدست حجرها ومدرها ، وجعلتها مسلكا لوحيك ، ومنسكا لخلقك ، ولم تودعه صلبا الا جلَّلته نورا تأنس به الابصار وتطمئن اليه القلوب ، فأي جدّ أسرة ومجتمع عترة ومخرج طهر ومرجع فخر - جعلت يا رب هاشما ثم نقلته من هاشم إلى عبد المطلب فأنهجته سبيل إبراهيم ، وألهمته رشدا للتأويل ، ثم أذنت لعبد اللَّه في نبذه عند ميقات تطهير أرضك من كفار الأمم الذين جهلوا معرفتك ، وجحدوا ربوبيتك ، وانكروا وحدانيتك ، فاتخذوا لك أندادا وجعلوا لك شركاء وأولادا وصبوا ( 1 ) إلى طاعة الشيطان وعبادة الأوثان ، فصلواتك على محمد عبدك ونبيك وخيرتك وصفيك ، ايّ منيعة لم تهدمها دعوته ، وأيّ فضيلة لم تنلها عترته ، جعلتهم خير أئمة للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويجاهدون في سبيلك ، ويتواصون بدينك ، باعوك أنفسهم ، شعثة رؤوسهم ، تربة وجوههم ، تكاد الأرض من طهارتهم تقبضهم إليها ، ومن فضلهم ان تميد بمن عليها ، فأي شرف يا ربي جعلته في محمد وعترته . وما أزكَّي نفسي ولكن أحدّث بنعمة ربي ، أنا صاحب القبلتين ، وحامل الرايتين ، وأبو السّبطين ، أنا علم الهدى ، وكهف التقى ، وخير من آمن واتقى ، وأكمل من تقمّص ( 2 ) وارتدى ، بعد

--> ( 1 ) صبوا : مالوا . ( 2 ) تقمص : أي لبس القميص ولعل المراد به قميص الحرب وهو إذن كناية عن الشجاعة .